محمد بن جرير الطبري

252

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

بالبينات ثُمَّ إن كثيًرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون - يقول : لساعون في الأرض بالفساد ، وقاتلوا النفوس بغير نفس ، وغير سعي في الأرض بالفسادِ حربًا لله ولرسوله = فمن فعل ذلك منهم ، يا محمد ، فإنما جزاؤه : أن يقتَّلوا ، أو يصلَّبوا ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أو ينفوا من الأرض . * * * فإن قال لنا قائل : وكيف يجوز أن تكون الآية نزلت في الحال التي ذكرتَ : من حال نقض كافرٍ من بني إسرائيل عهدَه = ومن قولك إن حكم هذه الآية حكم من الله في أهل الإسلام ، ( 1 ) دون أهل الحرب من المشركين ؟ قيل : جازَ أن يكون ذلك كذلك ، لأن حكم من حارب الله ورسوله وسَعى في الأرض فسادًا من أهل ذمَّتنا وملَّتنا واحد . والذين عنوا بالآية ، كانوا أهل عهد وذِمَّة ، وإن كان داخلا في حكمها كل ذمِّي وملِّي ، وليس يَبْطُل بدخول من دخل في حكم الآية من الناس ، أن يكون صحيحًا نزولها فيمن نزلت فيه . * * * وقد اختلف أهل العلم في نسخ حكم النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين . فقال بعضهم : ذلك حكم منسوخ ، نسخَه نهيُه عن المثلة بهذه الآية = أعني بقوله : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا " الآية . وقالوا : أنزلت هذه الآية عِتابًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل بالعُرَنيين . * * * وقال بعضهم : بل فِعْلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ، حكمٌ ثابت في نظرائهم أبدًا ، لم ينسخ ولم يبدّل . وقوله : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " الآية ، حكمٌ من الله فيمن حارب وسَعى في الأرض فسادًا بالحِرَابة . ( 2 ) قالوا :

--> ( 1 ) قوله : " ومن قولك " ، الواو واو الحال ، يعني : كيف يجوز ذلك ، وأنت تقول كذا وكذا . ( 2 ) " الحرابة " ( بكسر الحاء ) مصدر مثل " العبادة " و " الرعاية " و " التجارة " ، يراد به معنى : " المحاربة لله ورسوله ، والسعي في الأرض فسادًا " . وهو مصدر من قولهم : " حربه " أي سلبه وأخذ ماله وتركه بلا شيء . وليس مصدر " حارب " ، فإن مصدر ذلك " محاربة وحرابًا " مثل " قاتل مقاتلة وقتالا " . وهذا اللفظ على كثرة دورانه في كتب الأئمة لم يرد له ذكر في كتب اللغة ، كأنهم عدوه مما استعمله الفقهاء ، ولم تأت به رواية اللغة . وهو ، إن شاء الله ، عربي صحيح البناء .